حين يُغيب الشعب الفلسطيني عن القرار… حزن الوطن يزداد!

منذ شهرين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في فلسطين، لا يصنع الصخب الحقيقة، بل يخفيها الصمت.

بعيداً عن المنابر والشعارات واليافطات، تعيش أغلبيّة صامتة من أبناء الشعب الفلسطيني، تحمل في داخلها كفاءةً ومعرفةً ونزاهة، لكنها تُدفَع إلى الهامش، ليس لأنّها عاجزة، بل لأنها ترفض أن تكون جزءاً من منظومةٍ فقدت معناها.

 

هذه الأغلبيّة ليست قليلة العدد ولا ضعيفة التأثير، لكنها بلا صوت.

أطباء، معلمون، مهندسون، مثقفون وعمّال شرفاء اختاروا البقاء خارج التنظيمات، بعدما تحوّل كثير منها من أدوات تحرّر إلى هياكل مغلقة تُدار بالمحسوبيّة، وتُموَّل باسم الشعب، وتُستَخدم ضده.

 

في المقابل ارتفعت أصوات تنظيماتٍ تدّعي التمثيل، فيما تُمارس النهب بصيغٍ مختلفة وتحت عناوين كبرى. تُجمع الأموال باسم القضيّة، وتُوزَّع الامتيازات باسم النضال، بينما يبقى الشعب خارج الحساب، حاضراً في الخطاب وغائباً عن القرار.

 

وفي ظلّ هذا الإقصاء، لا تُهدر أموال الشعب الفلسطيني فقط عبر الفساد المقنّع وسوء الإدارة، بل تُستباح أيضاً أملاكه العامّة والعقاريّة. تُباع أو تُنقَل ملكيّتها تحت جنح الظلام، بعيداً عن الرقابة والمساءلة، وكأنّ الوطن إرثٌ خاصّ لا حقّاً جماعيّاً، فيما يُترك أصحاب الحقّ الحقيقيّون خارج الصورة، بلا علمٍ ولا قرار.

 

الأكثر حزناً أنّ هذه السرقة لا تتمّ من الخارج فقط، بل من داخل الجسد الفلسطيني نفسه. يُنهَب الناس باسمهم، ويُقصَون باسمهم، وتُفرَض عليهم قيادات لم يختاروها، ولا تعبّر عن وجعهم، ولا تشبه حياتهم المكسورة.

 

بين احتلالٍ لا يرحم وواقع داخليّ يخذل، تُستنزف الأغلبيّة الصامتة مرتين: الأولى حين تُترك وحيدة في مواجهة القهر، والثانية حين يُطلب منها الصمت، لأن الكلام يُسمع فقط من يملك المنابر والصلاحيات.

 

هذا الصمت ليس رضا، بل حزنٌ عميق. ليس عجزاً، بل نتيجة بنية سياسيّة صُمّمت لإقصاء الأكفّاء، واحتكار القرار، وإعادة إنتاج الفشل ذاته بأسماء وشعارات مختلفة. فكلّما صمت أصحاب الكفاءة، طال عمر منظومة النهب، وكلّما غاب الشعب عن القرار، تحوّل الوطن إلى شركة تُدار بلا مساءلة.

 

الأغلبيّة الصامتة ليست خارج المشهد، بل مُبعَدة عنه عمداً. تُمنَع من التنظيم، تُشوَّه إن اعترضت، وتُستَخدم فقط كرقم عند الحاجة أو كغطاء عند الإخفاق. هكذا تُفرَّغ السياسة من معناها، ويُختَزل النضال في عصابة تتقاسم السلطة والغنيمة، تاركة الشعب يواجه الخسارة وحده.

 

يبقى الشعب حاضراً في الشعارات، غائباً عن السلطة، وتبقى فلسطين مزدحمة بأبنائها، محكومة بقلة لا تمثّلهم. وفي هذا الاختلال، لا يموت الأمل دفعة واحدة، بل يُستنزَف يوماً بعد يوم، بصمت مفروض وبخيانة مُقنّعة.

 

ليست المأساة أنّ الشعب الفلسطيني بلا قيادة… بل أنّ من يتصدّرون القيادة هم أوّل من سلبوا حقوقه.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

توفيق سعيد حجير

الفلسطيني السوري في مصر: بين الحظر والتجاهل المؤسسي

في خطوة جديدة تُضاف إلى سلسلة من الإجراءات التي تُقيّد حرية السوريين في مصر أصدرت السلطات المصرية تعليمات بمنع دخول السوريين القاد… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون