حين يصبح الصمت شراكة في الجريمة: غزّة تحت إدارة الموت

منذ شهرين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

ما يجري في غزّة لم يعد حرباً، ولا «نزاعاً» قابلاً للتأويل السياسي. ما يجري هو إعدام جماعي مفتوح، يُنفَّذ بيد الاحتلال، ويُشرعن سياسياً بموافقة أمريكية كاملة، ويُدار بصيغة خطة غامضة تُنسب إلى دونالد ترامب، عنوانها المعلن «الحل»، وجوهرها الفعلي: ترك الفلسطينيين يموتون ببطء.

غزّة تُعذَّب عمداً. تُجوَّع عمداً. تُدمَّر عمداً. أكثر من مليوني إنسان، معظمهم من النساء والأطفال، يُحاصرون خارج الزمن، بلا ماء ولا دواء ولا مأوى، فيما آلة القتل تعمل بلا سقف أخلاقي أو قانوني. هذا ليس فشلاً دولياً، بل قرار دولي واضح: عدم التدخّل، وعدم المحاسبة، وترك الاحتلال يُكمل مهمته.

الإدارة الأمريكية لا تكتفي بالصمت، بل توفّر الغطاء السياسي والديبلوماسي والعسكري لكل مجزرة. الفيتو يُستخدم لحماية القاتل، والمساعدات العسكرية تتدفّق، والتصريحات تُفصّل على قياس الجريمة. أمّا «خطة ترامب»، فليست سوى إطار فضفاض لإدارة الخراب، وتأجيل أي مساءلة، ومنح الإحتلال وقتاً إضافياً لإعادة هندسة غزّة على أنقاض أهلها.

الاحتلال لا يخوض حرباً ضد مقاومة، بل ضد الحياة نفسها. المستشفيات أهداف مشروعة، مراكز الإيواء ساحات قصف، والخبز ورقة ضغط. التجويع تحوّل إلى سلاح معلن، والتهجير سياسة رسمية، فيما المجتمع الدولي يراقب، ويسجّل، ثم يُغلق دفاتره على جملة مكرّرة: «نحثّ على ضبط النفس».

أي ضبط نفس يُطلب من شعب يُذبح؟ وأي «حسن نوايا» يُعوَّل عليه من رئيس أمريكي يرى في القضية الفلسطينية عبئاً سياسياً لا قضية عدالة؟ الرهان على ترامب ليس سذاجة سياسية فقط، بل تواطؤ أخلاقي مع جريمة مستمرّة.

غزّة اليوم مرآة النظام العالمي: حيث تُقاس الدماء بالتحالفات، وتُحدَّد قيمة الإنسان بحسب موقعه الجغرافي، ويُترك شعب كامل تحت القصف لأن قاتله حليف. هذه ليست مأساة إنسانية عابرة، بل لحظة كاشفة لانهيار القانون الدولي، وسقوط الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان سقوطاً مدوّياً.

غزّة لا تطلب الشفقة، بل العدالة. ولا تحتاج بيانات، بل وقفاً حقيقياً للقتل، ومحاسبة صريحة للمجرمين، وفضحاً علنياً للشركاء. وما لم يحدث ذلك، سيبقى الموت في غزّة سياسة، وسيبقى الصمت الدولي شريكاً في الجريمة.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

توفيق سعيد حجير

الفلسطيني السوري في مصر: بين الحظر والتجاهل المؤسسي

في خطوة جديدة تُضاف إلى سلسلة من الإجراءات التي تُقيّد حرية السوريين في مصر أصدرت السلطات المصرية تعليمات بمنع دخول السوريين القاد… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون