بأي وجه سنقابل الشهداء؟ ذاكرة الدم

منذ يوم   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

سأذهب إلى العالم الآخر،

وأنا خجلٌ جداً.

لا لأنني قصّرت وحدي، بل لأننا جميعاً صمتنا أكثر مما يجب، وصدقنا أكثر مما ينبغي، وانتظرنا معجزات لم تأتِ.

بأي كلمات سنستقبل الشهداء؟

بأي عذر سنرفع رؤوسنا أمام من خرجوا من بيوتهم وهم يعرفون أن الطريق قد لا يعود بهم؟

هل سنقول لهم إن الوطن الذي استشهدتم لأجله… لم يعد وطناً؟

الوطن كما تركتموه، كان فكرة.

واليوم لم يبقَ منه سوى لافتة.

استشهدتم ليحيا الوطن، فصار الوطن سلعة.

استشهدتم من أجل الكرامة، فصارت الكرامة تهمة.

خرجتم لتحموا الناس، فصار الناس وحدهم، عراة أمام الخوف والجوع والخذلان.

ماذا سنقول لهم عن التطبيع؟

عن المصافحة التي جفّفها البروتوكول، ولم يجفّفها الدم؟

كيف سنشرح للشهداء أن من تلطخت أيديهم بدمهم صاروا “شركاء سلام”،

وأن القاتل جلس على الطاولة نفسها،

بينما الضحية غابت عن الصورة؟

وماذا سنقول لهم عن الشعوب التي ماتت فيها النخوة؟

عن شعوب رأت المجازر على الشاشات، ثم اعتادت المشهد؟

عن ضميرٍ تعب من الغضب، فاختار الصمت؟

حتى صار الظلم خبراً عابراً،

وصار الدم رقماً بلا اسم.

وماذا سنخبر الشهداء عن غزة وأهلها؟

عن مدينة تُحاصر حتى من الحياة نفسها؟

كيف سنقول لهم إن أهل غزة يعيشون بلا طعام ولا شراب،

بلا بيوت،

بلا أمان،

يفترشون العراء في البرد القارس،

ويعدّون الشهداء كما يُعدّ الناس أيامهم؟

كيف نخبرهم أن الأطفال هناك ينامون على الخوف،

ويصحون على القصف،

وأن العالم كله رأى… ثم قرر أن ينظر في اتجاهٍ آخر؟

كيف سنشرح لهم أن الجوع صار سياسة،

وأن الحصار صار أداة،

وأن الموت يُدار ببيانات رسمية باردة؟

وماذا سنقول للشهداء عن أطفالهم؟

عن الصغار الذين كبروا فجأة،

وحملوا غياب آبائهم بدل ألعابهم؟

كيف سنخبرهم أننا تركنا أبناءهم يواجهون الحياة وحدهم،

بين مدارس بلا دعم،

وبيوتٍ بلا سند،

ومستقبلٍ مؤجل باسم الظروف؟

بأي حق سننظر في عيونهم،

ونشرح لهم كيف صار أبناؤهم عبئاً لا أمانة؟

كيف تُركوا للفقر،

وللنسيان،

وللأسئلة التي لا يملك طفلٌ إجابةً عنها:

لماذا مات أبي؟ ولماذا تُركنا بعده؟

وماذا سنحدثهم عن قطع رواتب الشهداء والأسرى والجرحى؟

كيف سنبرر لهم أن من قدّم دمه،

أو حريته،

أو جسده،

صار ملفاً مالياً قابلاً للحذف؟

كيف نقول لهم إن الوفاء خضع للحسابات،

وأن الكرامة وُضعت في خانة “العقوبات”؟

أن الجريح صار يفاوض على علاجه،

والأسير على لقمة أطفاله،

وأسرة الشهيد على حقٍ كان يجب أن يكون بديهياً؟

الوطن لم يُهزم فقط بالسلاح، بل بالكذب.

لم يسقط فقط بالقوة، بل بالتعوّد.

تعودنا على الانكسار، حتى صار خبراً عادياً،

وتعودنا على الفساد، حتى صار نظاماً،

وتعودنا على الدم، حتى فقد اسمه.

ماذا سنقول للشهداء عن العدالة؟

عن دولة القانون؟

عن الحلم الذي خرجوا من أجله ولم يعودوا؟

هل سنقول لهم إننا ما زلنا نختلف على التفاصيل، بينما ضاع الأصل؟

إننا ما زلنا نرفع الشعارات، لكننا لا نرفع الإنسان؟

إن الوطن صار مكاناً نعيش فيه، لا معنى ننتمي إليه؟

الخجل ليس شعوراً فردياً.

الخجل موقف جماعي مؤجل.

خجل لأننا لم نحفظ الوصية،

ولم نصن الوطن كما صُنّا أسماءهم في الخطب.

عندما نذهب إلى العالم الآخر،

لن يُسأل الشهداء لماذا ماتوا،

بل سنُسأل نحن:

ماذا فعلتم بما تركناه لكم؟

وحتى ذلك اليوم،

يبقى السؤال معلقاً فوق هذا الركام:

هل ما زال في هذا الوطن ما يستحق أن يُدافع عنه…

أم أننا نعيش فقط على ذكرى وطنٍ كان؟أم أننا نعيش فقط على ذكرى وطنٍ كان؟

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا

«يموت الأبطال دون أن يسمع بهم أحد…» — غسان كنفاني في غزّة لا يموت الأبطال دفعةً واحدة، بل يتساقطون واحداً واحداً، بهدوءٍ يشب… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون