أسقطنا الرؤوس… فضاعت الأوطان!

منذ 11 ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

فلسطين: الدم الصادق والثورات الفاسدة

لم تبدأ الحكاية من سقوط الحكّام،

بل من فلسطين…

من الدم الذي صار شعاراً،

ومن المقاومة التي تحوّلت إلى موسم خطابي،

ومن الحق الذي أصبح مادة للاستهلاك السياسي.

فلسطين كانت مرآة سقوط العرب الأكثر صدقاً،

حيث رأينا كيف يمكن لثورة بلا أخلاق أن تكون أشدّ فتكاً من الاستبداد،

وكيف يمكن لشعار “التحرير” أن يُستخدم غطاءً للفساد، وللصفقات، وللخذلان.

هناك، كان الدم صادقاً والموت واضحاً، والعدو واحداً لا يتبدّل.

أما في عواصم العرب، فتعدّد الأعداء حتى ضاع الاتجاه، وتكاثرت الرايات حتى اختنق الوطن.

في غزة يموت الناس لأنهم متمسكون بأرضهم،

وهنا تموت الأوطان لأن الثورات فسدت، والثوار تحوّلوا إلى سماسرة سلطة، والحلم إلى غنيمة.

من فلسطين نبدأ السؤال الحقيقي:

هل كانت مشكلتنا في الطغاة فقط؟

أم في ثورات لم تكن أنقى من الطغيان، وفي وعي أسقط الرؤوس دون أن يعرف ماذا يفعل بالأوطان بعد السقوط؟

العراق… ثلاثة عراقات وسقوط بلا قيامة

ومن فلسطين انتقل الخراب إلى العراق، أو لعلّه كان ينتظر دوره فقط.

العراق أصبح ثلاثة عراقات،

وقيل لنا ببرود: مش مهم… المهم سقط صدام.

لم يسأل أحد: ماذا سقط معه؟

سقطت الدولة، وتكسّرت الهوية، وتحول الوطن إلى طوائف تتقاسم الخوف والدم.

ليبيا أصبحت ليبيتين،

وقيل: مش مهم… المهم سقط القذافي.

لكن الذي سقط فعلياً هو الاستقرار، وسقط الأمن، وسقط الإنسان الليبي بين ميليشيا وأخرى، حتى صار الوطن ساحة مفتوحة بلا سقف ولا قانون.

اليمن أصبح ثلاثة يمنات،

وقيل: مش مهم… المهم سقط علي عبد الله صالح.

لكن اليمن سقط جائعاً، محاصراً، ممزقاً بين حرب وحرب، حتى صار الموت خبزاً يومياً، والطفولة مشروعاً مؤجَّلاً إلى إشعار آخر.

السودان أصبح سودانين،

وقيل: مش مهم… المهم سقط عمر البشير.

لكن الذي سقط هو الحلم بدولة واحدة، وسقط السلام، وسقطت فكرة أن الدم يمكن أن يتوقف عند حدّ.

وسوريا…

لم تصبح سوريا واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاثاً، بل أربع سوريات،

وقيل: مش مهم… المهم سقط بشار الأسد.

سقط النظام أو لم يسقط، لكن سوريا سقطت تحت الركام، وسقط شعبها بين لجوء ومقبرة وصمت دولي فاضح.

الثورات التي أكلت أوطانها

في كل مرة كان السقوط يُسوَّق لنا كإنجاز،

وفي كل مرة كنّا نكتشف متأخرين أن الذي سقط فعلاً هو الوطن،

وأن الثمن لم يكن الحاكم، بل الشعوب.

لم تُسأل الشعوب ماذا تريد بعد السقوط،

لم يُسأل الأطفال أين سيذهبون، ولا النساء كيف سيعشن، ولا الأوطان كيف ستُرمَّم.

كان السؤال الوحيد:

هل سقط الحاكم؟

نعم؟ إذن انتهت القصة.

لكن القصة لم تنتهِ، بل بدأت فصولها الأكثر ظلاماً.

تحوّل “التحرر” إلى فوضى،

و”الثورة” إلى سوق سلاح،

و”الحرية” إلى نشرة أخبار مليئة بالجثث.

لم نُهزم لأن الحكّام كانوا أقوياء،

هُزمنا لأننا صدّقنا أن إسقاط الرأس يكفي،

ونسينا أن الجسد فاسد، وأن الوعي غائب، وأن الخارج لا يمنح أوطاناً… بل مصالح.

اليوم لا نعيش في دول، نعيش في شظايا.

لا ننتمي لأوطان، بل لذكريات وطن.

سقط صدام، وسقط القذافي، وسقط صالح، وسقط البشير، وسقط بشار…

لكن السؤال الذي لم نجرؤ على طرحه: ماذا بقي بعدهم؟

الجواب مؤلم وبسيط: لم يبقَ إلا الخراب، والدم، وشعوب تتقن البكاء أكثر مما تتقن الفعل.

لم يسقط العرب فجأة، سقطوا بالتدريج،

سقطوا حين استبدلوا الوعي بالهتاف، والسياسة بالانتقام، والوطن بلحظة غضب.

سقط العرب…

لا لأن الطغاة حكموا طويلاً، بل لأننا لم نتعلم كيف ننهض بعد سقوطهم.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزّة… حيث يُدفَن الأبطال قبل أن يُعرَفوا

«يموت الأبطال دون أن يسمع بهم أحد…» — غسان كنفاني في غزّة لا يموت الأبطال دفعةً واحدة، بل يتساقطون واحداً واحداً، بهدوءٍ يشب… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون