حين يَمُوتُ الغريبُ... ولا يبكيهِ أحدٌ!
محمود كلّم
كاتب فلسطينيفي بلادٍ لا تُشبهُك، بين جدرانٍ باردةٍ لم تحفظ يوماً صدى صوتِك، تموتُ كما عشتَ: غريباً، منسيّاً، كأنك لم تكن.
لا يدٌ تُلامِسُ كتفك في لحظاتك الأخيرة،
لا عينٌ تدمعُ لفراقِك، لا اسمٌ يبقى بعدك. تموتُ كما لو أنَّك لم تُولد أصلاً، وكأنَّ العالم لم يُلاحظ وجودك يوماً، لكن قلبك ظلّ معلقاً في أرض عرب السّمنيّة، حيثُ الترابُ يعرفك قبل أن تعرف نفسك، وحيثُ قبورُ الأجداد تنتظرُك لتكون بين أحضانها آخر مرة.
الموتُ هنا يُشبهُ الغربة التي سكنت قلبك طويلاً، لكنهُ أكثرُ قسوة. كأنَّكَ ورقةُ تينٍ هزمتها الريحُ فسقطت بعيداً عن شجرتِها، أو زيتونةٌ اقتُلعت من تربتِها فجفَّت روحُها قبل أن تحترق تحت شمسٍ لا تعرفُها. الغربةُ أكلتكَ حيّاً، التهمت ملامحك، صوتك، دفءَ يديك، حتى صرت شبحاً يعبرُ الشوارع دون أن يراهُ أحد. وعندما جاءَ الموتُ، لم يكن سوى تتمةٍ باردةٍ لحياةٍ لم تكن لكَ يوماً، بينما قلبك كان يحنُّ إلى أرضٍ تعانق كل خطوة منك، وترتجف عند ذكر اسمك، إلى أرض عرب السّمنيّة التي حلمت أن تُدفن فيها بجانب الأجداد.
تمرُّ الحياةُ أمام عينيك كنافذة قطارٍ مسرع، تتساقطُ منها مشاهدُ أحلامٍ لم تتحقَّق، وذكرياتٌ لا أحد يذكرها سواك. محطَّاتٌ كثيرةٌ لم تكن يوماً وجهتك، ووجوهٌ عبرت دون أن تترك أثراً. كنت تحلمُ أن تعود، أن تحتضن تراب وطنِكَ، أن تمشي في أزقَّةٍ تعرفُك، أن يكون لك موتٌ يُشبهُك، وجنازةٌ يبكيك فيها من أحببتهم. لكنَّ الموت باغتك هنا، في أرضٍ لا تعرفُك، بين غرباء لا يفهمون حزنك، ولم يروا الوجع الذي كبر في عينيك. سيمرُّ خبرُ وفاتك كأيِّ خبرٍ عابرٍ في صحيفةٍ مُهملة:
"تُوفيَ رجلٌ مجهولُ الهوية، ودُفن وفق الإجراءاتِ الرسمية."
ستُطوى قصَّتُكَ بين أوراقٍ باردة، لن يذكرك أحد، لن يكون لك قبرٌ يزورُه الأحبَّة، لا اسمٌ يحملهُ شاهدُ الرخام، لا وردٌ يُوضَعُ على ترابِكَ. فقط رقمٌ في سجلٍّ لا يعني أحداً، وكومةُ ترابٍ لن يُبكيها أحدٌ سواك، لو كنت ما زلت قادراً على البكاء. إلا أن الريح، وحدها، تحملُك في ذكرياتها إلى تلك الأرض التي طالما حلمت أن تُدفن فيها بجانب قبور الأجداد، حيثُ لا غربة بعد اليوم.
ستتسلَّل الريح بين أغصانِ الزعتر والميرمية في جبالِ الجليل، وستهمس باسمك في ليالي الوطن الطويلة. ستمرُّ فوق وادي القرن، وستخبر أشجار الزيتون عنك، عن الغريب الذي حمل حنينه حتى الموت، وعن قلبه الذي ظلّ معلقاً في أرض عرب السّمنيّة، بين قبور الأجداد، في ترابٍ يعرفه قبل أن يعرفه هو. هناك في الأرض التي خذلتك أن تموت فيها، سيبقى اسمك مكتوباً على الطرقات التي عبرتها طفلاً، على جدران البيوت التي غادرتها ولم تعد، في زفرات الريح التي ستظل تبحث عنك، حتى لو لم تعد أنت هناك.
كان الموت هنا قيداً، والموت هناك عناقاً. هنا التراب موحش، وهناك التراب حنين. هنا الصمت جدار سميك يفصلُك عن الحياة، وهناك الصمت غطاء دافئ يحفظ ذكراك. هنا أنت مجرد رقم في قائمة الموتى، وهناك أنت ابن الأرض التي أنجبتك، واحتضنتك، وأحبتك حتى النهاية، وحيث قبور الأجداد تنتظرك لتكتمل العودة.
وحدها الريح ستعرف أنك كنت هنا… وستحملك يوماً، ولو في الأحلام، إلى حيث كنت تنتمي، إلى تراب أرض عرب السّمنيّة في شمال فلسطين المحتلّة، إلى قبور الأجداد، إلى الأرض التي لم تنسَك.
وهكذا، يبتلع النسيان اسمك، كما يبتلع البحر أصداء الغرقى، وكما تذرو الريح رماد من احترقوا بعيداً عن ديارهم. سيمضي الزمن دون أن يلتفت إلى غيابك، وستظل المدن التي مررت بها غريبة كما كانت، لا تذكر وجهك، ولا يعنيها رحيلك. لن يُضاء لك قنديل في نافذة بيت قديم، ولن يكتب أحد اسمك على جدار. ستبقى في ذاكرة الغربة مجرد ظل تلاشى قبل أن يجد موطناً له، إلا أن التراب الذي حلمت بالعودة إليه، تراب أرض عرب السّمنيّة، سيظل يحملك في صمته.
لكن الريح، وحدها الريح، ستحمل وجعك سراً بين طياتها، وتبعثره فوق تراب كنت تحلم أن تعود إليه. وحين تهب ذات مساء على وطنك البعيد، سيشعر الزيتون بحزن غامض، وسيئن التراب دون أن يعرف أحد السبب.
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



أضف تعليق
قواعد المشاركة