القدس بين صمت العرب وانقسام المسلمين: حين يصبح الخذلان سلاحاً
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في الشرق الأوسط، لا تموت الحقيقة فجأة.
هي تذبل ببطء… كما تذبل شجرة تُركت بلا ماء.
وفلسطين وهي تنزف على مرأى العالم، لا تسأل فقط عن صواريخ الاحتلال، ولا عن مظلة الدعم التي تمنحها إياها الولايات المتحدة…
بل تسأل عن شيءٍ أقرب.
أقرب بكثير.
تسأل عن العرب.
وتسأل عن المسلمين.
ليس وجعها في أن عدوها قوي، فالاحتلال عبر التاريخ كان دائماً مسنوداً بالقوة.
وألمها الحقيقي أن صدر الأمة الذي كان يفترض أن يكون درعاً، صار جداراً بارداً.
في المخيمات لا يناقش الناس توازن الردع.
يناقشون توازن الضمائر.
في الأزقة الضيقة، لا يسألون عن عدد الطائرات،
بل عن عدد القلوب التي ما زالت تخفق لأجلهم.
لقد تحوّلت القضية من مركز الإجماع إلى هامش البيانات.
وصار الدم الفلسطيني خبراً دورياً، يتصدّر الشاشات أياماً… ثم يُزاح بصمت.
العرب الذين كانت فلسطين تجمعهم، فرّقتهم الحسابات.
والمسلمون الذين كانت القدس قبلتهم الأولى،
تقدّمت أولوياتهم عليها.
الانقسام لم يعد خلافاً سياسياً. صار هو السلاح.
السلاح الذي لا يُصنَّع في مصانع عسكرية، بل في غرف مغلقة، وفي عقولٍ أرهقها الخوف، وفي نفوسٍ أنهكها التنازع.
قبل أيام، علّق الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين على ما يجري في المنطقة قائلاً:
“الشيعة هم بالفعل طليعة العالم الإسلامي، والسُّنّة يبدون بمظهر مُخزٍ”.
سواء اتفقنا مع هذا القول أو اختلفنا معه، فإن المؤلم ليس مضمونه الطائفي، بل أن صورة العالم الإسلامي باتت تُقرأ من زاوية الانقسام.
أن يُنظر إلينا كطوائف متنافسة، لا كأمةٍ مجروحة تتشارك الألم ذاته.
حين يصبح الصراع داخل البيت أعلى صوتاً من صراخ غزة، وحين تُختزل الكارثة في جدل مذهبي،
نكون قد قدّمنا للعدو ما لم يكن يحلم به: تفككنا بأيدينا.
فلسطين لا تحتاج إلى خطابات تتبارى في المزايدة.
ولا تحتاج إلى سباق شعارات.
تحتاج إلى حدٍّ أدنى من الوحدة.
إلى موقفٍ لا تمزّقه الاصطفافات.
إلى شعورٍ بأن المسجد الأقصى ليس شأن فئة،
بل أمانة أمة.
المأساة أن العدو يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.
يعرف أن الخلاف بيننا أعمق من حدودٍ رسمها.
ويعرف أن كل شقٍّ في جدارنا الداخلي، هو نصرٌ مجاني.
ليس أخطر ما نملكه هو ضعف السلاح، بل ضعف البوصلة.
وحين تضيع البوصلة،
تتحول الأمة إلى جزرٍ معزولة، كلٌّ منها يبرّر عجزه بطريقته.
فلسطين اليوم تبكي…
لكن بكاءها ليس على أرضٍ تُنتزع فقط، بل على أمةٍ تتنازع بينما تُنتزع الأرض.
الهزيمة لم تكن قدراً محتوماً.
كانت نتيجة تراكمٍ طويل من الفرقة، والصمت، والخذلان.
وما لم يدرك العرب والمسلمون أن انقسامهم هو السلاح الذي يُشهر في وجوههم، سيبقى الشرق ينزف… لا لأن العدو لا يُهزم، بل لأننا لم نتوقف بعد عن هزيمة أنفسنا.



أضف تعليق
قواعد المشاركة