من الانقسام إلى الحقيقة: فلسطين الخاسر الأكبر
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.لم تعد المسألة اليوم كما يحاول البعض تصويرها: خلافات طائفية، أو انقسامات دينية، أو حتى حدوداً جغرافية تفصل بين الشعوب. لم تعد القضية سنّياً أو شيعياً، ولا علوياً أو درزياً، ولا كردياً أو عربياً، ولا مسلماً أو مسيحياً. كما لم تعد فلسطينياً أو لبنانياً أو سورياً أو يمنياً أو عراقياً، أو أي هوية أخرى تُستخدم لتفتيت الصورة الكبرى.
ما يجري أعمق من كل ذلك. إنه ببساطة مسألة وجود.
في لحظة تاريخية فارقة، تتراجع كل العناوين الصغيرة لتفسح المجال أمام السؤال الأكبر: هل نبقى أم نُمحى؟ هل نكون أم لا نكون؟ إنها معادلة حاسمة لا تقبل التأويل، ولا تحتمل الترف الفكري أو الجدل النظري. إنها مواجهة مباشرة بين الوجود والعدم، بين الصمود والانكسار.
لقد نجحت السرديات المتفرقة، عبر سنوات طويلة، في تشتيت الوعي العام، وإغراقه في تفاصيل ثانوية، بينما كانت القضية الجوهرية تُدفع إلى الهامش. لكن الوقائع، بكل قسوتها، تعيد ترتيب الأولويات. فحين يصبح البقاء مهدداً، تسقط كل التصنيفات، وتذوب كل الفوارق المصطنعة.
هنا لا يعود الانتماء مجرد تعريف ثقافي أو اجتماعي، بل يتحول إلى موقف. موقف من الحق في الحياة، من الأرض، ومن الكرامة. موقف يحدد أين يقف الإنسان حين تُختبر القيم على أرض الواقع، لا في الشعارات.
ولعل ما عبّر عنه رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد ناجي العلي منذ عقود، لا يزال صالحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى. فقد اختصر الفكرة في خطوط بسيطة، لكنها عميقة، حين قدّم صورة واضحة للصراع كما هو: بلا تزييف، بلا تعقيد، بلا أقنعة.
ورغم هذا الوضوح، يبقى الخاسر الأكبر في كل هذا المشهد هو فلسطين، وشعبها، وقضيتها، التي دفعت وما زالت تدفع ثمن هذا التشتيت والانقسام، بينما كان من المفترض أن تكون في صدارة الأولويات.
إنها ليست معركة أسماء، بل معركة معنى. ليست صراع هويات، بل صراع بقاء. ولهذا فإن إدراك بساطة هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو استعادة الوعي وتحديد الاتجاه.
المسألة كما تبدو اليوم، بسيطة جداً… لكن فقط لمن يريد أن يرى.
وفي هذا المشهد القاسي، تبقى فلسطين وحدها تدفع الثمن، تتراجع في الزحام، وتُترك جراحها مفتوحة.
كأنها تنتظر من يتذكّرها… لا بالكلام، بل بالفعل.



أضف تعليق
قواعد المشاركة