قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: مسار 11 عاماً في الكنيست
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في أروقة الكنيست، لم يكن هذا القانون مجرد نص عابر، بل مسار طويل مثقل بالقسوة والظلم، امتد 11 عاماً، كُتب خلاله مصير الأسرى الفلسطينيين على وقع تشريعات تتجه نحو أقسى العقوبات.
لم يولد مشروع قانون إعدام الأسرى فجأة، ولم يكن نتاج لحظة سياسية عابرة، بل ثمرة صراع متواصل داخل الكنيست، تنقل خلالها بين السقوط والإحياء، وبين الرفض والاختراق، حتى استقر أخيراً في نص قانوني أُقرّ نهائياً في 30 مارس/آذار 2026.
البداية كانت في الأول من يونيو/حزيران 2015، حين طرح عضو الكنيست شارون غال، مشروع القانون لأول مرة، مقترحاً إعدام من يصفهم الاحتلال بـ"الإرهابيين". لكن هذه المحاولة اصطدمت بجدار الرفض، وسقط المشروع في 15 يوليو/تموز 2015 خلال القراءة التمهيدية، بعدما أسقطته الهيئة العامة بأغلبية 94 صوتاً مقابل 6 فقط.
ومع ذلك، لم يُغلق الملف. ففي الثالث من يناير/كانون الثاني 2018، عاد المشروع في نسخة جديدة، مدعومة من أفيغدور ليبرمان، ليحقق أول اختراق تشريعي حقيقي، حين نال موافقة تمهيدية، فاتحاً الباب أمام تسهيل إصدار أحكام الإعدام في القضايا التي يصنفها الاحتلال "إرهابية".
ظل المشروع حاضراً في المشهد السياسي، حتى عاد بقوة في الأول من مارس/آذار 2023، عندما أعادت عضو الكنيست ليمور سون هار ميلخ، عن حزب "قوة يهودية"، طرحه ضمن مشروع قانون العقوبات لعام 2023. هذه المرة، اجتاز المشروع القراءة التمهيدية، مستفيداً من مناخ سياسي أكثر ميلاً نحو التشدد.
ومع تصاعد نفوذ التيارات اليمينية، دخل المشروع مرحلة حاسمة في 28 سبتمبر/أيلول 2025، حين أقرت لجنة الأمن القومي تعديلاً على مشروع قانون العقوبات يفتح الطريق نحو فرض عقوبة الإعدام، تمهيداً لطرحه على الهيئة العامة في القراءة الأولى.
في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أُقر المشروع في القراءة الأولى، قبل أن يُحال في 25 مارس/آذار 2026 إلى القراءتين الثانية والثالثة، إيذاناً بأن مسار إقراره بات شبه محسوم.
وفي 30 مارس/آذار 2026، حسم الكنيست الأمر نهائياً، بعد تصويت أظهر انقساماً واضحاً: 62 عضواً أيدوا القانون، مقابل 48 عارضوه، وامتنع عضو واحد عن التصويت. وهكذا أصبح مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين واقعاً تشريعياً بعد أكثر من عقد من الدفع المتواصل والمحاولات المتكررة.
وينص القانون على تطبيق عقوبة الإعدام بحق كل من يتسبب في مقتل أحد جنود الاحتلال أو مستوطنيه بدوافع قومية، في حين لا يُطبّق على أحد من جنود الاحتلال أو مستوطنيه إذا قتل فلسطينياً. كما يُنفّذ الحكم خلال 90 يوماً من صدوره، دون إمكانية للاستئناف أو تخفيف العقوبة، ولا يُشترط إجماع القضاة لإقراره، إذ تكفي أغلبية بسيطة لإصدار الحكم.
هذا القانون لا يعكس مجرد تطور تشريعي، بل يكشف تحوّلاً عميقاً في بنية القرار السياسي داخل الكنيست، حيث تتقدّم مقاربات أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين، وتُطرح قوانين تحمل تبعات قانونية وإنسانية واسعة، تعيد تشكيل ملامح المرحلة المقبلة في الصراع.
وبعد 11 عاماً من الدفع والصراع، صدر هذا القانون، ليظل الأسرى الفلسطينيون أمام حكم صارم، بينما العرب والمسلمون نيام كنومة أهل الكهف، والعالم المنافق ينظر دون أن يحرك ساكناً.



أضف تعليق
قواعد المشاركة