لكلِّ فرعون بحرٌ… والأسرى الفلسطينيون بين الألم والأمل

منذ 3 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في قلب الصراع الممتد، لا تزال قضية الأسرى الفلسطينيين واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً وتعقيداً، ليس فقط لما تحمله من معاناة فردية، بل لأنها تختزل حكاية شعبٍ بأكمله يعيش تحت وطأة الاحتلال. إنها قضية تتجاوز الأرقام والإحصاءات، لتغدو مرآةً لصراعٍ دائم بين الظلم والحق، وبين القهر والإرادة.

في هذا السياق، تستحضر العبارة الرمزية: "لكلِّ فرعون بحرٌ سوف يُغرقه، وكلُّ موسى له ربٌّ سينجيه"، ليس بوصفها مجرد استعارة دينية، بل كحقيقة تاريخية متجددة، تعكس حتمية زوال الظلم مهما طال أمده، وتؤكد أن الأمل يولد حتى في أكثر اللحظات قسوةً وألماً.

داخل سجون الاحتلال، يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين ظروفاً قاسية تتنافى مع أبسط المعايير الإنسانية. من الحرمان من الحقوق الأساسية، إلى العزل الانفرادي، وصولاً إلى القيود المفروضة على العلاج والزيارات، تتحول الحياة اليومية إلى معركة صامتة من أجل البقاء. ومع مرور الزمن، لا تعود الزنازين مجرد جدران، بل تصبح مستودعاً لأعمارٍ معلّقة وأحلامٍ مؤجلة وذكرياتٍ تقاوم النسيان.

وفي صحراء النقب، وتحديداً في سجن "سدي تيمان"، تتجلى واحدة من أكثر صور المعاناة قسوة. هناك، في مكان احتجاز بات يُوصف بأنه "مقبرة للأحياء"، تتكرر مشاهد الانتهاك بشكل يومي. في هذه البيئة القاسية، لا يقتصر الألم على القيود، بل يمتد ليشمل أنماطاً متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، بما في ذلك الضرب، والصعق بالكهرباء، والحرمان من النوم والعلاج.

كما تشير شهادات إلى ظروف احتجاز شديدة القسوة داخل بركسات معدنية مكشوفة، يُكدَّس فيها العشرات في مساحات ضيقة، مقيَّدي الأيدي ومعصوبي الأعين، في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الكرامة الإنسانية، فضلاً عن ممارسات مهينة تعكس مستوى صادم من الانتهاك.

الأكثر قسوة هو ما تحمله بعض الشهادات من تفاصيل عن ممارسات إذلال ممنهجة، تتجلى في اقتحامات عنيفة، وإجبار الأسرى على أوضاع مهينة، وصولاً إلى استخدام أساليب تعذيب تُحط من الكرامة الإنسانية بشكل فج. هذه الوقائع تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بالقانون الدولي الإنساني ومعايير حقوق الإنسان.

ورغم كل ذلك، لا تختفي إرادة الصمود. فالإضرابات عن الطعام، والتمسك بالكرامة، وتحويل المعاناة إلى فعل مقاومة، تعكس بوضوح أن الإنسان قادر على مقاومة القهر حتى في أكثر الظروف قسوة. هؤلاء الأسرى ليسوا مجرد أرقام في تقارير، بل هم قصص إنسانية حيّة تختزل معاني الثبات والتحدي.

في المقابل، تبدو ردود الفعل الدولية محدودة، تتراوح بين بيانات خجولة وصمتٍ طويل، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان. فالصمت في مثل هذه الحالات لا يُعد حياداً، بل تواطؤاً، أو على الأقل تقصيراً في أداء الواجب الأخلاقي والإنساني.

ومع ذلك، يعلّمنا التاريخ أن الظلم، مهما تجذّر، لا يدوم. فكل منظومة قمع تحمل في داخلها بذور نهايتها، وكل تجربة إنسانية قائمة على القهر مصيرها الزوال. من هذا المنطلق، تبقى قضية الأسرى الفلسطينيين شاهداً حيّاً على أن الحرية ليست حلماً مستحيلاً، بل استحقاقٌ مؤجَّل.

اليوم، يجسد الأسرى الفلسطينيون معنى الصبر والثبات في زمنٍ مضطرب. إنهم "موسى" هذا العصر: يتحملون الألم، ويتمسكون بالأمل، ويؤمنون بأن فجر الحرية قادم، مهما طال الليل.

وبين جدران السجون، هناك تُكتب قصة إنسانية مستمرة، تؤكد أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تغيب.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

لكلِّ فرعون بحرٌ… والأسرى الفلسطينيون بين الألم والأمل

في قلب الصراع الممتد، لا تزال قضية الأسرى الفلسطينيين واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً وتعقيداً، ليس فقط لما تحمله من معانا… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون