وجع خلف القضبان: حين يموت الأسرى بصمت
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.ليست قضية الأسرى خبراً عابراً في نشرات المساء، ولا عنواناً يُستهلك وسط زحمة الأحداث المتلاحقة، بل هي جرحٌ مفتوح في الوجدان الإنساني، واختبار دائم لمعنى العدالة والكرامة والحرية. فهناك، خلف القضبان، يعيش آلاف الأسرى حكايات من الألم الصامت، بعيداً عن ضجيج العالم واهتمامه العابر.
الأسرى هم بشر لهم أسماء وملامح وأحلام مؤجلة. لكل واحد منهم أمّ تنتظر، وطفل يكبر على الغياب، وعائلة تعيش على أمل لقاء طال انتظاره. وفي الزنازين الضيقة، لا يواجه الأسرى القيد وحده، بل يواجهون العزلة والقهر والإهمال ووطأة الزمن الثقيل.
أكثر من عشرة آلاف أسير يعيشون هذا الواقع القاسي، فيما يمضي العالم في صمته، كأن هذه المعاناة لا تستحق أن تُروى أو تجد من يُنصت إليها بصدق. ومع مرور الوقت، لا تصبح المعاناة أقل وجعاً، بل أكثر قسوة، خصوصاً مع ما يُروى من شهادات عن انتهاكات خطيرة طالت الأسرى حتى في أبسط حقوقهم الإنسانية.
ومن بين أكثر الروايات إيلاماً، ما تحدّث به أسرى محرَّرون عن حوادث تسميم تعرّض لها أسرى خلال فترات الاحتجاز أو أثناء عمليات تبادل الأسرى. ووفق هذه الشهادات، كان الأسرى يُتركون في العراء تحت أشعة الشمس الحارقة ولساعات طويلة، من دون ماء أو طعام، بانتظار وصول مندوب الصليب الأحمر لإتمام عملية التبادل.
وخلال تلك الساعات القاسية، يقف أحد جنود الاحتلال وبجانبه غالون ماء، ليصبح العطش نفسه وسيلة اختبار مؤلمة. أمام الأسرى خياران أحلاهما مرّ: إمّا مقاومة العطش حتى نهاية الانتظار، أو الشرب من ماء يُعتقد أنه ملوّث بمواد سامة. كان بعضهم يصمد رغم العطش، بينما دفع آخرون الثمن لاحقاً من صحتهم وأعمارهم.
ومن بين الشهادات التي لا تغادر الذاكرة، ما رواه لي الأسير المحرّر سكران سكران عن حادثة تعرّض خلالها الأسير علي (أبو لافي) ورفيقه للتسميم خلال عملية تبادل في معتقل أنصار، عبر المياه التي قُدِّمت لهم آنذاك. كما أشار إلى أسير أردني أُصيب لاحقاً بمرض السرطان نتيجة تلك الحادثة وفارق الحياة، فيما لا يزال علي (أبو لافي) يعاني حتى اليوم من آثار صحية قاسية.
إن معاناة الأسرى لا تقف عند حدود السجن والجدران الحديدية، بل تمتد إلى ما هو أعمق؛ إلى الإحساس اليومي بالعزلة والخوف والحرمان من أبسط تفاصيل الحياة الإنسانية. إنها معاناة تترك أثرها في الأجساد والقلوب معاً، وتمتد أيضاً إلى عائلات تنتظر أبناءها على أبواب الأمل.
ورغم كل هذا الوجع، تبقى قضية الأسرى حاضرة في ضمير كل من يؤمن بالحرية والكرامة الإنسانية. فالصمت أمام معاناتهم ليس حياداً، بل خذلان، والنسيان ليس موقفاً عابراً، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار الألم.
الأسرى بحاجة إلى من يروي حكاياتهم بصدق، وإلى كل صوت يرفض أن تتحول معاناتهم إلى رقم عابر أو خبر مؤقت. فالكلمة الصادقة قد تُبقي قضيتهم حيّة في الوعي، وقد تمنحهم شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذا المصير القاسي.
ولعلّ الدعاء، بكل ما يحمله من صدق وإنسانية، يبقى أحد أشكال الوفاء الممكنة لهم؛ دعاء بأن يحفظهم الله، ويخفف عنهم قسوة السجن والغياب، وأن يأتي اليوم الذي يعودون فيه إلى بيوتهم أحراراً، بعدما طال غيابهم خلف القضبان.


أضف تعليق
قواعد المشاركة